الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
02:49 ص
رحلة على متن القطار الكهربائي
مع أول خيط من نهارٍ صيفيٍ لاهبٍ، تبدأ الحكاية من محطة عدلي منصور؛ حيث لا تبدو الرحلة إلى العاصمة الإدارية مجرد انتقالٍ يومي، بل عبورًا جديدًا إلى يومٍ طويلٍ من المشقة، تتقدّم فيه وجوهٌ أنهكها الاستيقاظ المبكر، وملابسُ تحمل آثار العمل قبل أن يبدأ، وخطواتٌ ثقيلة تتجه نحو القطار الكهربائي الخفيف كأنها تبحث عن ظلٍّ مؤقت يخفف وطأة الشمس أكثر مما يبحث أصحابها عن محطة وصول.
_2939_190811.jpeg)
على امتداد الطريق إلى محطة مدينة الفنون والثقافة، لا يغيب عن المشهد ذلك الصراع الصامت بين الحر والركاب؛ حرٌ يُضاعف ثِقل الساعات، ويحوّل أبسط تفاصيل الرحلة إلى اختبارٍ جديدٍ للصبر والتحمل، لتتجسد بين عربات القطار وأرصفة المحطات، معاناة لا يراها كثيرون، يعيشها مواطنون يطاردون لقمة العيش تحت شمسٍ لا ترحم، وحرارةٍ لا تمنحهم سوى مزيد من الإنهاك.
تبدأ رحلة الركاب من محطة عدلي منصور مع أولى ساعات اليوم، قبل أن ينطلق القطار عابرًا محطات العبور والمستقبل والشروق وهيليوبوليس الجديدة وبدر والروبيكي وحدائق العاصمة ومطار العاصمة، في مسارٍ طويلٍ يختصر يومًا كاملًا من السعي والعمل، إلى أن يصل أخيرًا إلى محطة مدينة الفنون والثقافة.

وبين قطارٍ وآخر، ينتظر الركاب عشرين دقيقة كاملة، تبدو للبعض وقتًا عابرًا، لكنها جزء من حكاية يومٍ طويل يبدأ مبكرًا ولا ينتهي إلا مع آخر محطة.
"تليجراف مصر" خاضت الرحلة من محطة عدلي منصور إلى مدينة الفنون والثقافة، لتوثّق عن قرب يومًا كاملًا من رحلة الركاب على متن القطار الكهربائي الخفيف، وترصد حجم المعاناة التي يفرضها الحر، وكيف تتحول هذه الوسيلة إلى شريان يومي يختصر المسافة، لكنه لا يختصر مشقة السعي إلى لقمة العيش.
_2939_191039.jpeg)
ويغادر أول قطار من محطة عدلي منصور في السادسة صباحًا، بينما تتحرك أولى الرحلات من محطة مدينة الفنون والثقافة في السادسة وأربع دقائق وكأن اليوم نفسه يفتح أبوابه على إيقاعٍ منتظمٍ، وتمتد الساعات، ويواصل الركاب رحلتهم بين العمل والعودة، حتى يحين الليل وتصل الحركة إلى آخر فصولها.
أول من صادفناه في رحلتنا كان إيهاب، أحد سكان الشروق، موظفًا بالمعاش بعد سنواتٍ قضاها في الشركة المصرية للحوم والدواجن، قبل أن ينتقل اليوم إلى شركة مقاولات يبحث فيها عن رزقٍ لا يزال يطارده.

وقال بصوتٍ يختلط فيه التعب بالصبر: "الجو حر النهاردة، وبكرة هيبقى أمرّ"، كمن يعرف مسبقًا أن الغد لن يكون أهون من اليوم، بل أشد قسوة.
أما الثلاثيني أيمن، أحد العاملين بشركة تشغيل المونوريل، الذي يبدأ نوبته في الثانية ظهرًا، حين تكون الشمس في ذروة اشتعالها، والحر قد بلغ أقصى حضوره، قال بنبرة يملؤها التعود: "كدة متيسرة وواصلين قبل ميعادنا".

وعلى سلم محطة مدينة الفنون والثقافة، كان محمد فني التكييف، أحد أبناء محافظة المنوفية والعامل في شركة مقاولات الشمس، يجلس منتظرًا زميله ليأتي بقبضه، ولم يخفِ ضحكته وهو يصف يومه تحت وطأة الحر قائلًا: “الجو نار، بنبقى شغالين والمكان مولّع، مع إنه متقفل، بس الصهد داخل علينا”.

كانت كلمات محمد بسيطة، لكنها حملت ما هو أكثر من المزاح؛ إذ تلخص يومًا طويلًا من العمل داخل مساحة خانقة، حيث لا يترك الحر منفذًا، ولا يمنح الجسد فرصةً حقيقية لالتقاط أنفاسه.

وأضاف أن القطار الكهربائي أهون عليه من زحام المواصلات وثقلها؛ إذ تبلغ تذكرة القطار الكهربائي الخفيف من محطة مدينة الفنون والثقافة إلى محطة عدلي منصور 20 جنيهًا، في حين تصل أجرة المواصلات إلى 35 جنيهًا.
مؤمن ومحمد، عاملا الرخام في شركة أركا للمقاولات، كانا عائدين من العمل وقد حملت وجوههما وملابسهما آثار يومٍ طويل تحت الشمس، وبنبرةٍ تجمع بين الإرهاق والرضا، قالا: “هي موجة يومين تلاتة وتنتهي إن شاء الله، إحنا شغلنا هنا في الجبل، والشمس بهدلة والله”.

وأضاف محمد أن القطار الكهربائي عمليًا أكثر من المونوريل، بينما يبدو الأخير في نظره، أقرب إلى وسيلة للتنزه والتجول في العاصمة لا أكثر؛ حيث حملت نبرة صوته يقين من عايش الطريق وعرف الفرق بين وسيلة تخدم يومه ووسيلة تبدو أقرب إلى الرفاهية منها إلى الاحتياج.
_2939_191818.jpeg)
أما مؤمن، فأضاف أن القطار الكهربائي أفضل بكثير من المواصلات، خاصة في الليل، حين تبدأ الظروف في فرض كلمتها على الركاب، وقد تقفز الأجرة إلى 50 جنيهًا.
بين هذا وذاك، تبدو الرحلة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل حسابًا يوميًا دقيقًا بين الوقت والجهد والتكلفة، حيث لا يختار الراكب فقط الطريق الأقصر، بل الطريق الذي يخفف عنه بعضًا من ثقل اليوم.

وفي العاشرة والربع مساءً، يغادر آخر قطار بين عدلي منصور ومدينة الفنون والثقافة في الاتجاهين، معلنًا ختام يومٍ طويلٍ من الذهاب والإياب، أما مَن يقصدون محطة بدر فقط، فموعدهم مع آخر قطار في العاشرة وخمسٍ وأربعين دقيقة مساءً، حيث لا يبقى في المشهد سوى أثر الحركة.

هنا تصل رحلتنا إلى محطتها الأخيرة، بعد ساعاتٍ من المتابعة والاقتراب من تفاصيل يومٍ لا يعرف الركاب فيه الراحة.
_2939_192054.jpeg)
اقرأ أيضًا:
كابوس النتيجة.. كيف ينجو طلاب الثانوية العامة من فخ قلق الانتظار؟
14 سبتمبر 2026 11:53 م
14 سبتمبر 2026 12:49 ص
14 سبتمبر 2026 11:05 م
13 سبتمبر 2026 03:21 م
12 سبتمبر 2026 07:04 م
12 سبتمبر 2026 06:18 م
12 سبتمبر 2026 01:30 م
12 سبتمبر 2026 11:13 ص
أكثر الكلمات انتشاراً