الأحد، 19 يوليو 2026

01:26 ص

ادفع ملايين.. وذل نفسك في الساحل الشرير!

أحيانًا لا تكون المشكلة في البحر، ولا في الشاطئ، ولا في جمال المكان، المشكلة أن الإنسان قد يصل إلى لحظة يدفع فيها ثمن إهانته بيده، ثم يقنع نفسه أنه يعيش قمة الرفاهية.

هذا ما خطر ببالي وأنا أشاهد مقاطع فيديو متكررة لرجل يقف أمام إحدى بوابات أحد أشهر منتجعات الساحل الشمالي لأكثر من ساعتين.

لم يكن يحاول اقتحام المكان، ولم يكن متسللًا، ولم يكن يبحث عن خدمة مجانية، كان مستأجر دفع مبلغًا كبيرًا ليستمتع بإجازة مع أسرته، فإذا بأول مشهد في رحلته هو الانتظار، والاتصالات، والأسئلة، وإثبات أنه يستحق الدخول.

متى أصبح المصري يذهب إلى المصيف ليهين نفسه؟ ومتى تحول البحر، الذي كان رمزًا للحرية والراحة، إلى رحلة طويلة من التصاريح والأكواد والبوابات والحواجز؟

لقد سافرت إلى دول كثيرة، وأقمت بمنتجعات في أوروبا وآسيا والخليج، ورأيت إجراءات أمنية دقيقة، لكنني لم أر إنسانًا يقف بالساعات حتى يُسمح له بالوصول إلى الغرفة أو الشاليه التي دفع ثمنها.

هناك فارق كبير بين الأمن.. وبين إذلال الناس، وبين التنظيم.. وبين تحويل الإنسان إلى مشتبه به حتى يثبت العكس.

والمؤلم ليس الانتظار وحده أم بوابات قوى الساحل الشرير، لكن المؤلم أننا بدأنا نعتبره شيئًا طبيعيًا، بل والأخطر من ذلك، أننا أصبحنا نتباهى به.

نتفاخر بأن الدخول صعب، وأن الإجراءات معقدة، وأن الوصول ليس متاحًا للجميع، وكأن الفخامة تُقاس بعدد البوابات، وطول الطوابير، وعدد المرات التي تُخرج فيها هاتفك لتثبت أنك تستحق المرور.

أي رفاهية هذه؟

وأي متعة يمكن أن تبدأ وأنت تشعر بأن كرامتك تُختبر قبل أن ترى البحر؟

لقد عرفنا المصيف قديمًا بمعناه البسيط الجميل بحر، ونسمة هواء، وأطفال يركضون على الرمال، ولمّة عائلية، وضحكات تمتد حتى منتصف الليل، لم يكن المصيف يومًا امتحانًا في الصبر، ولم يكن الوقوف أمام البوابات جزءًا من برنامج الإجازة.

اليوم تغيرت الصورة، وأصبح بعض الناس يسافرون مئات الكيلومترات، ويدفعون مئات الآلاف، وربما الملايين، ليعيشوا تجربة يبدأ عنوانها: “انتظر حتى يأتي دورك".

لا أحد يرفض الأمن، ولا أحد يعترض على تنظيم الدخول، لكن الأمن الحقيقي لا يهين الناس، والتنظيم الحقيقي لا يجعل أول ذكرى في الإجازة هي الوقوف تحت الشمس.

هناك سؤال أخطر من كل ذلك…ماذا حدث لنا؟

كيف أقنعنا أنفسنا أن الرفاهية تعني أن يصبح الوصول إلى المكان معركة؟

وكيف صدقنا أن كثرة الحواجز دليل على الرقي؟

وهل أصبحنا نبحث عن الشعور بأننا “داخل دائرة مغلقة” أكثر من بحثنا عن الراحة نفسها؟

أخشى أننا لم نعد نشتري البحر… بل أصبحنا نشتري شعورًا بالتميز، حتى لو كان ثمنه كرامتنا، وهنا أصل إلى ما يؤلمني أكثر "هذا ليس مجرد تنظيم دخول" بل ثقافة تُعيد تقسيم المجتمع نفسيًا، وتجعل البعض يشعر بأن قيمة الإنسان تُقاس بالمكان الذي يدخل إليه، لا بما هو عليه.

والنتيجة أن المصري أصبح يشعر بالغربة داخل وطنه، يدفع أموالًا طائلة، ثم يقف على بوابة ينتظر من يخبره إن كان مسموحًا له بالدخول أم لا.

لا أكتب هذه الكلمات دفاعًا عن مستأجر واحد، ولا هجومًا على منتجع واحد. وإنما أكتبها دفاعًا عن فكرة بسيطة جدًا…
أن الكرامة ليست خدمة إضافية، وليست ميزة يحصل عليها أصحاب الفئات الأعلى.

الكرامة حق، وإذا كان أجمل شاطئ في العالم سيجعل الإنسان يبدأ إجازته بالشعور بالمهانة، فربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا مؤلمًا:
هل ذهبنا إلى البحر لنستريح… أم ذهبنا فقط لنثبت للناس أننا نستطيع الدخول؟

في النهاية، لا تُقاس قيمة أي منتجع بارتفاع أسواره، ولا بعدد بواباته، ولا بتعقيد إجراءاته، بل تُقاس بابتسامة الإنسان وهو يدخل، فإذا اختفت الابتسامة، وبقيت البوابة… فقد ضاع المعنى كله.

اقرأ أيضُا:

المستشار محمد نجيب يكتب: نحن نولد خبراء

المستشار محمد نجيب يكتب.. ماذا يحدث لنا؟

المستشار محمد نجيب يكتب: الغلاء الصامت.. والوجع المكتوم!

search