السبت، 30 أغسطس 2025

11:00 م

نجوى مصطفى
A A

الفريضة الغائبة في الدوري المصري (2-2)

في الجزء الأول من هذا المقال استعرضنا قيمة الدوريات داخل القارات من الناحية التسويقية وفقًا لموقع ترانسفير ماركت، وتبين أن قارة أفريقيا سجلت المركز الأخير، إذ تحتوي على 10 دوريات تبلغ قيمتهم السوقية الإجمالية 672 مليون يورو ويتصدرهم الدوري المصري بقيمة 156.3 مليون يورو، كما أوضحنا أن الأمر لا يتعلق باللاعبين فقط، إذ أن الترتيب برهن أن البث والترويج وسوق الإعلانات وما إلى ذلك هم العوامل الأبرز في التقييم الآن، وإلا ما احتل الدوري البرازيلي مرتبة متقدمة مقارنة بالدوري الأمريكي الذي يلعب فيه "ميسي" أشهر نجم عالمي منذ بداية الألفية الثانية.

كان السؤال ماذا نفعل في الدوري المصري لكي يرتقي في هذا الترتيب وبالتالي يصبح أكثر قيمة من الناحية السوقية، وهل هناك فرصة لذلك أصلًا أم ان الأمر حسم؟، صراحة تشير كل الأرقام أن الخلل لدينا وأن المنظومة في إجازة والتسويق هو "الفريضة الغائبة" التي لا يريد أحد الالتفات إليها.

بداية، تعد الجماهيرية هي العنصر الأول في تسويق أي دوري، وهذا ينطبق على الدوري المصري لسببين، أولًا هو الأقدم في المنطقة العربية بأكملها إذ تلعب نسخته الـ67 هذا العام وقد بدأ في سنة 1948 أي قبل تأسيس دول وتوحيد ممالك، ثانيًا أن عدد مشجعيه لا يقل عن 55 مليون شخص وهم نصف تعداد مصر في الوقت الحالي، وهذه حسبة غير دقيقة لكن في حدها الأدنى على الأقل، ويتمحور معظم هؤلاء حول الأهلي والزمالك، وهما ناديان لهما جماهير بالملايين أيضًا في كل دول الوطن العربي.

دوري هو الأقدم في المنطقة ويتابعه أكثر من 50 مليون، أنديته معروفة محليًا وإقليميًا وقاريًا فأكثر نادي حصل على بطولة القارة هو النادي الأهلي، والزمالك ما زال في الترتيب أيضًا، تلك العناصر تعني أننا أمام منتج ناجح وفعال وله جاذبيته وما يتبقى فقط التسويق، فكيف نبدأ؟

الخطوة الأولى يجب أن تكون إعادة تعريف للدوري المصري، ليس بوصفه دوري فيه مباريات وأندية وصراعات لأن تلك وصفة عفى عليها الزمن، بل يتم تقديمه باعتباره منتج ترفيهي في المقام الأول، هكذا فعلت إنجلترا حين صنعت من الدوري الإنجليزي أكبر قوة ناعمة، وهكذا فعلت فرنسا وتحاول السعودية الآن تقديم نفس الشيء، وهذا يعد الركيزة الأساسي التي ستتبعها الخطوات التالية.

العودة إلى المدرجات لم تعد رفاهية، ليس فقط لأنها توفّر موردا ماليا جيدا للأندية، بل لأنها جزء من نجاح المنتج التسويقي بإظهار حجم الطلب عليه، ورغم أن العودة حتى الآن جيدة وتسير في تقدم لكن ما يجب أن يحدث هو العودة التامة والكاملة، ويجب أن يتزامن مع ذلك إيجاد جدول منتظم للبطولة فيه المواعيد والمباريات بلا خلل أو حجج كما يحدث، ففي النهاية الاستمرارية والانتظام هما ما سيجعل الآخرين يقبلون عليك.

تقنيًا، يحتاج الدوري المصري إلى ثورة من نوع آخر، فلا يصح أن يكون البث أقل من 4K، بجانب استخدام الذكاء الاصطناعي في التحليلات والتصوير بزوايا مبتكرة، بالإضافة إلى إطلاق منصة بث رقمية وتطبيق خاص يتيح مشاهدة المباريات مباشرة بالإضافة إلى الإحصاءات والملخصات.

تفاعليًا، يحتاج الأمر أكبر من مجرد صفحات وأخبار تنشر في العادة بطريقة مملة، ففي الخارج مثلًا خاصة الدوري الإنجليزي يتم تنظيم حملات ترويجية عبر منصات التواصل لإظهار نجوم الدوري بشكل إنساني وإبراز قصصهم، بالإضافة إلى تنظيم مسابقات وتفاعل رقمي مثل "الفانتازي"، والتحديات عبر منصات مثل "تيك توك" يظهر فيها اللاعبين كنوع من تشجيع الجماهير على المشاركة بالإضافة إلى آليات عادية كالتصويت لأفضل لاعب ومدرب وهدف.

ماليًا، نحتاج إلى الاشتراكات المدفوعة وإن كان ذلك صعب محليًا، فليس صعب تحديد باقات موجهة للجاليات العربية والأفريقية بأسعار مناسبة لزيادة الموارد، كما يجب أن تكون رعاة الفرق أكثر تنوعًا، وبحسب الدراسات الحديثة فإن الارتباطات بشركات قريبة للناس يساهم في النجاح والمقصود شركات الاتصالات والطعام والمشروبات وهي كلها تقدم منتجات تمسّ حياة الناس اليومية.

بالطبع التفاصيل أكبر من ذلك بكثير، لكن في حالة اتخذنا تلك الخطوات البدائية على الأقل، ستظهر نتائج أكبر يمكن البناء عليها فيما هو أهم، مثل زيادة منصات البث للدوري المصري ما يفتح سوق جديدة للمنتج وللإعلانات والرعاة وما يصاحبها من مضاعفة القوة الناعمة لمصر، في النهاية الأمر سيبدأ بخطوة تليها خطوة وهكذا، وبعض الخطوات مقدور عليها وبعض الإجراءات سهلة، لكن فقط ينقصنا التخطيط والعمل، والأهم الاقتناع بكل ذلك.

search